ابن يعقوب المغربي
565
مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح
فقوله : زعمتم أن إخوتكم قريش مشعر بأن القائل لم يسلم له ما ادعى ، إذ الزعم كما ورد مطية الكذب لكن قد يستعمل لمجرد النسبة لا لقصد التكذيب فليس فيه تصديق ولا تكذيب صريح فكان المقام مقام أن يقال : هل صدقنا عندك في ذلك أم كذبنا فكان الجواب : كذبتم فحذفه وأقام مقامه لهم إلف ، وليس لكم إلاف أي : لهم مؤالفة الرحلتين ، للتجر رحلة في الشتاء لليمن ، ورحلة في الصيف إلى الشام ، وليس لكم ذلك فافترقتما في الأخوة ، لعدم تحقق التساوي في المزايا والرتب ، وهذا دل على كذبتم ، إذ لو صدقوا في ادعاء الأخوة لاستووا مع قريش في مؤالفة الرحلتين ، والإلف مصدر الثلاثي وهو ألف والإيلاف مصدر الرباعي ، وهو آلف وكلاهما بمعنى ولما دل قوله لهم إلف إلخ على كذبتم صار كالبيان له فأقيم مقامه ولك أن تعتبر فيه أن يكون استئنافا ، جوابا لسؤال آخر مقدر بعد الاستئناف المحذوف ؛ لأن كذبتم المقدر كالمذكور ، لدلالة قرينة الزعم ، فكأنه قيل : لماذا قلت كذبنا فقال لأن لهم إلف وليس لكم إلاف ، والمآل في القصد واحد ، إلا أن الاعتبار الأول يجعل قوله لهم إلف بيانا للمحذوف ، لدلالته عليه واستلزامه إياه من غير تقدير سؤال آخر وهو يجعله بكونه سببا للكذب ، ومبينا له بالدلالة جوابا عن سؤال عن علة ادعاء الكذب فالمآل واحد والاعتبار مختلف ، تأمله ، فالاستئناف المحذوف هنا وهو كذبتم أقيم مقامه لهم إلف إلخ كما قررنا ( أو ) يكون حذف ذلك المحذوف ، لا مع قيام شيء مقامه بل ( بدون ذلك ) وذلك بأن يكتفى بمجرد القرينة على المحذوف ( نحو ) قوله تعالى فَنِعْمَ الْماهِدُونَ " 1 " فإن المخصوص فيه محذوف ( أي : نحن ) وإنما قدر السؤال لأن نعم مع فاعلها لإبهامه بصدد أن يسأل معها عن المخصوص كما قررنا آنفا . فيجاب بالمخصوص وإذا دلت عليه القرينة حذف كما دلت عليه هنا ولكن إنما يكون مما حذف فيه المجموع ( على القول ) السابق ، وهو قول من يجعل المخصوص بالمدح خبر مبتدأ محذوف ، فيكون التقدير : هم نحن .
--> ( 1 ) الذاريات : 48 .